محمد سعيد رمضان البوطي

321

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

اجلس على هذه . . . فجلست عليها ، وجلس هو على الأرض ! . . فقلت في نفسي : واللّه ما هذا بأمر ملك » . ولعل عديا - وهو الذي كان ذا مكانة مرموقة في قومه - كان يحسب أن يجد بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ينطق بشيء من المعنى الذي كان هو يتمتع به ، ولكنه فوجئ بعكس ذلك ، وفوجئ برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يتربع جالسا أمامه على أرض يابسة ! . . ونظر ، فإذا بالدار تنطق بأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ليس من تلك المظاهر التي كان يتوقع رؤيتها ، في شيء ! . . أفيكون مع ذلك ينشد من وراء دعوته هذه ملكا ويسعى وراء ثروة أو مجد ؟ ! . . ويصف عدي رضي اللّه عنه بعد ذلك ، حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وكيف استشف فيه الغيب المتعلق بمستقبل الإسلام والمسلمين . قال له : « ليوشكن المال أن يفيض في المسلمين حتى لا يوجد من يأخذه » . وصدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقد بعث عمر بن عبد العزيز عامله بأموال الزكاة لتوزيعها على المستحقين في جهات من إفريقية ولكنه عاد بها ثانية لأنه لم يجد من يأخذها ، فاشترى بها أرقاء وأعتقهم . وقال له : « ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف » . وصدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقد امتد فوق هذه الرقعة أمن الإسلام وسلامه ، فما من عابر سبيل فيها يخاف شيئا غير اللّه عز وجل والذئب على غنمه ، كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر . وقال له : « وأيم اللّه ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت على المسلمين » ، وصدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقد سمعنا بذلك ورأينا ، والحمد للّه الذي أنجز ما وعد به رسوله عليه الصلاة والسلام . لقد وجد عدي سمات النبوة الصادقة في مظهر معيشته وحياته ، ووجد هذه السمات أيضا في لون حديثه وكلامه ، ووجد مصداق ذلك فيما بعد ، في وقائع الزمن والتاريخ ، فكان ذلك سبب إسلامه ، وانخلاعه عن مظاهر الأبهة والترف التي كان قد أسبغها عليه قومه . وإذا توفر عقل مفكر ، وتوفرت معه حرية في التأمل ، فلا مفر إذن من قبول الحق والإيمان به مهما شقّ السبيل إلى ذلك . أما إذا فقدت حريّة الفكر وضاعت قدسية العقل ، ونبتت في مكانها قدسية الحقد الهوي ، فلا مناص من العكوف على الباطل ، ولا مفر من معانقة الجهل أو التجاهل ، ولا نعمة تفوق نعمة العمى أو التعامي . وصدق رب العالمين إذ يبين لنا صفات هؤلاء : وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ [ فصلت 41 / 5 ] .